مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

إلى الأمام..

أطعمتنا أقاربنا.. فتنة كل ولا تأكل!

 

أطعمتنا هي أقاربنا.. لا اعرف حقيقة من صاحب العبارة أو من قام بصكها..الا اني أرى لها بعض الوجاهة وقد يكون فيها مخرجا من فتنة الطعام والهوس الذي يضرب الساحة وجعلت الكثيرين في حيرة من امرهم حتى فيما استقرت عليه الأحوال والعادات وأصبح نوع الطعام هم بالليل مذلة بالنهار كالغارق في الدين تماما..
الخلخلة الحالية والارتباك الحادث حول أنظمة الغذاء وقوائمه مسألة طبيعية وكان لابد ان تحدث.. فهي نتيجة طبيعية لسلسة طويلة من العك المتعمد والمستحدث في أنظمة الاكل والشراب في العقود الأخيرة والتي حدثت جبرا وقهرا..فرضتها حمى سياسات وأوهام العولمة إياها ضمن ثورة تطلعات كبرى سعيا نحو عالم من الرفاهية والبغددة دون ادنى اعتبار للامكانيات والقدرات وواقع الحال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي أيضا..
لم تكن الأطعمة والأشربة بمعزل عن فوضى العولمة التي أراد الغرب فرضها على دول العالم المختلفة لخلق أنماط موحدة يسهل السيطرة عليها والتلاعب بها.. كله يلبس جينز .. كله ياكل بيرجر وكنتاكي كله يشرب كولا أو بيبسي وغيرها من الأسماء المعروفة.. واعتبر كل ذلك علامات على فرض الهيمنة والاختراق الغربي ليس فقط للمجتمعات العربية بل أيضا للمجتمعات الشرقية والشيوعية.. ويكفي للدلالة على ذلك ان علماء السياسة والاقتصاد اعتبروا ان احد مؤشرات سقوط الاتحاد السوفيتي في ديسمبر 1991 كانت وقوف المواطنين في موسكو ليوم كامل للحصول على ساندوتش ماكدونالد الأمريكي وكان هذا المشهد السريالي كما يقول المفكر الكبير د.نصر عارف مع الكوكاكولا والجينز أهم وسائل الولايات المتحدة لتظهر للعالم فشل النظرية الماركسية وبؤس تطبيقاتها في الدولة الاشتراكية الأولى..
هذا الالحاح الغربي في اللعب بأطعمة الشعوب ودفعها نحو تغييره باعتباره دليلا على تطورها وتقدمها وانها تخلت عن قديمها وفكرها البدائي –هكذا يتم تصوير الأمور-صحبه حملات غير مباشرة قادتها سلاسل عالمية متخصصة في الوجبات السريعة وغيرها لم تتوقف عند العواصم والمدن الكبرى فقط بل امتدت حتى الى القرى..وهناك أيضا قنوات فضائية تسلطت على العقول تخصصت في فنون الطهي وتقديم الوجبات بمختلف أنواعها كانت تعزف على الاوتار نفسها ساهمت في الخلخلة الغذائية وفي قائمة الطعام الراسخة والمتعارف عليها بيئيا وحتى تلك المرتبطة بالموروث الديني والثقافي الشعبي.. عمليات خلخلة مستمرة ليل نهار يعقبها كنتيجة طبيعية خلل وارتباك في النظام الصحي والعلاجي أيضا حيث ظهرت العديد من الامراض المرتبطة سواء بسوء التغذية وهي لا تعني الطعام السيء فقط بل تشمل الأطعمة الضارة وغير المناسبة لا للجسم ولا للأجواء الحارة او الباردة ونحو ذلك..
نتج عن ذلك الخروج على القاعدة البديهية التي تربط الطعام بالبيئة..وتسبب البحث عن كل جديد والاستجابة للاغراءات المختلفة وحب التجربة حتى ولو كانت مهلكة او حتى مضرة في نشوء ظواهر جديدة لم تكن معروفة وامراض مرتبطة تحديدا بانواع الأطعمة..
الفوضى الحادثة لم تضع حدودا أو فروقا بين أطعمة المناطق الحارة والباردة وما يصلح هناك لا يجوز هنا وهكذا وبالتالي انتشرت امراض السمنة المفرطة وامراض القلب والدم والكلى والعظام و قلة المناعة وغيرها من أنواع لم تكن معروفة او مشهورة في مناطق بعينها..
لابد من الإشارة الى انه لا حرج في ان تتذوق او تجرب طعاما اخر على سبيل التجربة لا ان يتحول الى نظام غذائي ملزم وواجب الاتباع..
تبع ذلك وسائل أخرى زادت الطين بلة وضاعفت من حالة الخلخلة والارتباك في النظام الغذائي وبالتالي الصحي..وسائل التواصل الاجتماعي..غول جديد مقتحم لا يرحم سواء في الترويج لكل غريب ومريب ..او في الخداع بحثا عن حل او طريقة للخروج من المأزق المترتب على الهلوسة الغذائية.. يقود العمليات كتائب جرارة من ادعياء التخصص في التغذية الصحية العلاجية.. يرفعون شعارات رنانة وبراقة فيما يجب وما لا يجب وكل واحد او واحدة لها وصفاتها الخاصة وبيان المحاسن والاضرار لكل نوع من الأطعمة والاعشاب المختلفة والاشربة.. بعضهم يستند الى اقوال منسوبة للعلم ويغلف ذلك بمصطلحات اجنبية او أسماء علمية للمواد الصيدلانية للضحك على الدقون..والبعض الاخر يلجأ الى أسانيد دينية من هنا وهناك وما الى ذلك..وكل هذا يزيد من عمليات الخداع والتضليل والارباك..
حالة الفوضى المقيتة والقاتلة تؤكد أنه كان ولابد أن يسقط نظام العولمة في الغذاء كما سقطت العولمة في السياسة وفي الملبس وغيرها..
وكان من الأهمية بمكان أن تعود الأمور الى نصابها الصحيح وإعادة الاعتبار للنظام الغذائي المناسب والملائم للبيئة وظروفها الاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية أيضا وان أي اعتداء عليها ومحاولة طمسه لاسباب سياسية او ثقافية او لتأكيد الهيمنة والخضوع والولاء لجهات او هيئات اوغيره يجب ان تواجه بحسم..
يجدر الإشارة هنا الى تقرير مهم لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)..يؤكد انه على مدى الخمسين عامًا الماضية أصبحت الأنظمة الغذائية متجانسة بشكل متزايد وتهيمن عليها محاصيل غنية بالطاقة ولكنها فقيرة بالعناصر الغذائية الكبرى.ومن بين آلاف النباتات والحيوانات التي كانت تُستخدم كغذاء في الماضي لا يُساهم حاليًا سوى أقل من 200 نوع في الإمدادات الغذائية العالمية وتُشكل تسعة محاصيل فقط ما يقرب من 70% من إجمالي الإنتاج الزراعي.وفي كثير من الحالات وخاصة في البلدان النامية لا يحصل الناس على كامل العناصر الغذائية الأساسية لصحة الإنسان.
الخروج من حالة الفوضى والارتباك فيما ناكل و مالا نأكل يرتبط وثيقا بالبيئة وبالتوجيه الإلهي الصريح: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا ".. والنصيحة النبوية:" ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه..حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِه"..
** قال امير المؤمنين عمر بن الخطاب: وَيْحٌ لِمَنْ أَدْخَلَهُ بَطْنُهُ النَّارَ.
**وقال عَلِيٍّ رضي الله عنه: أَهْلَكَ ابْنَ آدَمَ الْأَجْوَفَانِ: الْبَطْنُ وَالْفَرْجُ.
** وقال مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَمُّهُ هَوَاهُ وَبَطْنُهُ.
**من اقوال الحكماء : مَن أجاعَ بطنَه عظُمت فكرتُه وفَطُن قلبُه..

 والله المستعان..

[email protected]